لن يتوقف القلم حتى ولو كان لوحة رقمية
صورة: أرشيف
02 مارس 2018 إعداد: سهيلة بن حامة
إعداد: سهيلة بن حامة
7438

كتاب يطاردون زمن الرواية ويختلفون:

لن يتوقف القلم حتى ولو كان لوحة رقمية

هل نحن حقا في زمن الرواية ؟ هذا السؤال الحائر، طرحناه على بعض الكتاب لنستعرض آراء ومواقف أقلام إبداعية اختارت أجناس أدبية متنوعة ،ولنتوقف عند فكرة أن عصرنا الحاضر هو زمن الرواية التي أضحت من المسلّمات التي لا مطعن فيها لدى الكثير من النقاد خاصة مع إقبال القراء عليها ورصد العديد من الجوائز لها فهل هي الأقدر على التعبير عن هموم المجتمع و الانسان بالدرجة الأولى ؟هل أصبح الروائيين فلاسفة هذا الزمن ؟وهل أضحى هذا اللون الأدبي صوت العالم الجديد؟


فيصل الأحمر روائي- الجزائر:

عصر...الرواية...ربما!

عامة ما نذكر مصطلح عصر الرواية دون فهم دقيق للمعاني الجانبية للمصطلح التي هي المعاني الدقيقة والعميقة له...ان كون عصر ما هو عصر شيء ما أو ظاهرة ما يدل على العموم على كون هذه الظاهر التي يصبح العصر عصرها ظاهرة مهيمنة ثقافيا: ليصبح من هذا المنظور عصر الرواية دالا على هيمنة الرواية كشكل ثقافي يجعلنا نطرح سؤالا هاما: ما القيمة المضافة للرواية لكي يصبح العصر عصرها؟ يبدو لي شخصيا بان الرواية أصبحت تستجيب لملمحين هامين يسيطران على عصرنا الرقمي: القدرة على التخييل وخلق إمكانيات للواقع من حولنا، وكذلك التغلب بسلطة الخيال على الهيمنة غير المسبوقة للواقع الرقمي على وجودنا. يمكننا أن نطرح سؤالا على قراء قصص من أمثال سيد الخواتيم أو هاري بوتر وما يثيرهم بالملايين في هذه القصص التي تخلو من أدنى ملامح المعقولية، ولا أظن الإجابة ستكون شيئا آخر عدا فسح إمكانية للتنفيس عن الضغط الكبير للواقع من خلال نافذة الخيال التي تحرر الإنسان من الواقع الرقمي التكنولوجي المنظم بشكل لم تعرفه الإنسانية حتى في أعتى مراحل العبودية؛ لقد ابتكر الانسان الحديث شكلا غير مسبوق من الأسيجة المحيطة به صارت تخنقه بلا رحمة.،ولا يبقى له سوى الخيال كي يتنفس ويتذكر إمكانية وجود عالم حر هارب من سلطة الحساب والرياضيات والفيزياء والتقانة المهيمنة. الملح الآخر يمكننا جعله استمرارا لطاقة الرقمنة التي هي دوما خلق امكانيات رياضية ، نوع من التوفيقات والاحتمالات تعمل على صياغة أشكال جديدة من الواقع؛ تماما مثلما يفعل المصمم وهو يعمل على مجسمات لوضع فكرة على أرض الواقع.

لنعد إلى واقعنا الآن؛ أين نقع نحن من كل هذا؟

لا أعتقد شخصيا باننا بلغنا درجة الهروب من ضغط الحياة اليويمة إلى ساحات التخييل، فالواقع هو أن انتشار الرواية الملحوظ منذ سنوات هو موضة اكثر منه الاستجابة الى حاجة فلسفية أو وجودية. وهذا الأمر لا يمنع أبدا وجود جيل شاب جديد يمارس قراءة الرواية بالشكل الموجود في الغرب ( والفغالب هو أنهم جيل دون الثلاثين، يحمل رؤية صوب المنتج الروائي مستجلبة من الغرب والشرق؛ رؤية عالمية كونية تجعل الرواية منبرا ديمقراطيا حرا جامعا لكل من له صوب ويعوزه منبر)...
ستكون خلاصة قراءتي لإطلاق عنوان عصر الرواية على عصرنا بأنه علينا أن نفرق في الفترة الزمنية الواحدة بين عصور عدة تابعة للحياة العقلية والتداول الثقافي المختلف من مكان إلى مكان، ففي أوروبا هو فعلا عصر الرواية حيث تجد الجميع يتحدث عن الروايات الجديدة التي تحدث ضجات إعلامية مع حلول الخريف ، وتجد الروايات الفائزة بالجوائز الكبرى تتداول كهدايا عيد ميلاد وهدايا لأعياد رأس السنة وما شاكل ذلك، كما تجد الروائيين يتحولون إلى نجوم للإعلام...وكل هذا غائب عندنا؛ وهو ما يجعل عنوان "عصر الرواية" مبالغا فيه بالنسبة الينا.
وهذا لا يمنع من وجود نبرة جديدة لدى الجيل الجديد خاصة تبشر بعصر مختلف ليس هو عصر المنابر السياسة والسلطات الرسمية كما هي حال عصرنا؛ وربما تكون ملامح لعصر الرواية. لم لا؟

طفي عبد الواحد شاعر -تونس:
هل نحن في زمن الفن ؟

هل نحن في زمن الرواية ؟سؤال طريف بلا شكّ ولعلّه يذكّرني باسئلة من هذا القبيل حول الفن عموما او احد الفنون عند طرح الموضوع مثل السؤال هل نحن في زمن الانترنت ايحاء بهيمنة ما على الكتاب المقروء او هل انتهى زمن الشعر؟
لذا وأمام هذا السؤال اقول نعم نحن في زمن الرواية اذا كان المقصود وجود اقبال كبير على الكتابة عموما وعلى كتابة الرواية التي تطورت اشكالها وبنيتها وانواعها ووجود وفرة في الانتاج والنشر في العالم وفي بلداننا العربية بالمقارنة مع الاقبال على كتابة الشعر بانواعه واشكاله الكلاسيكية والحديثة واذا كان المقصود ايضا الاقبال اكثر من القارئ بغضّ النظر عن تصنيفه على قراءة الروايات المنشورة وحضور حفلات تقديمها وتوقيعها وهذا نلحظه اليوم عيانا لكن السؤال عنّا هل يكفي وجود كم هائل من الروايات المكتوبة والمنشورة والمعروضة في المكتبات لنقول ان هذه الظاهرة تدل،على اننا في زمن الرواية وانها مؤشر علي هيمنتها على الساحة الادبية والثقافية وتاثيرها اذا ما قارنّا واقع الرواية بواقع فنون اخرى كفنّ الشعر مثلا في عصرنا .
انا شخصيا لا اقيس حضور الرواية الكبير ووفرة الانتاج الروائي دليلا على ان الرواية فرضت وجودها فعليا لتكون سببا في تراجع الفنون الاخرى لانني ارى الامور اولا من ناحية موضوعية ونسبية باعتبار ان جميع انواع الفنون تتعايش ويمكن ان يختلف حضورها وتاثيرها بشكل او باخر ونحن في الحقيقة نحتاج الى طرح الموضوع او الاشكالية بطريقة اخري فعوض ان نجعل السؤال متعلقا بالرواية كفن من الفنون نطرح السؤال على النحو التالي هل نحن في زمن الفن ؟
خلاصة القول بالنسبة لي لا يمكن ان نطرح هذا السؤال هل نحن في زمن الفن اعتمادا على تزايد الاقبال او وفرة الروائيين والروايات او السؤال عن فن اخر فنقول هل نحن في زمن الشعر مثلا منفصلا عن السؤال المحوري هل نحن في زمن الفن ولعلّي بل لعلّنا لا نستطيع الاجابة على هذا السؤال المحوري الّا اذا اخضعنا هذا الاقبال على كتابة الروايةوالروايات المنشورة للنقد الموضوعي البعيد عن المجاملات والانطباع الاولي لنرى مدى حضورها الفعلي واثرها على المتقبّل ومدي استفادة الروائيين من النقد الذي يبدو اليوم متاخرا عن الانتاج او ضعيف الحضور في تطوير تجربتهم في مجال السرد وكتابة الرواية ..

-فاتن كشو روائية-تونس:
الشعر أقرب للوجدان وأكثر حضورا اجتماعيا

يظن الجميع أن هذا الزمن هو زمن الرواية بامتياز وهي إفادة أطلقها الكاتب جابر عصفور بالثمانينات وكانت بسياق معين وقد تتفوق الرواية في المبيعات والتسويق عن الأجناس الأخرى كالقصة والشعر،لكن المتأمل في المجتمعات العربية وحتى الأجنبية أيضا يلاحظ أن الشعر أقرب للوجدان وأكثر حضورا اجتماعيا من حيث عدد الملتقيات والتظاهرات الشعرية ومن حيث كثرة تواجد الشعراء وظهورهم في المحافل وفي الإعلام ومن حيث كثرة الاحتفاء بالشعر مما يحيلنا إلى سؤال خطير: هل نقول أن هذا الزمن هو زمن الرواية حتى نبرر غلبة الشعر عليها واقعيا ؟ وقد نجد لذلك مبررا منطقيا وهو أن الشعر بالعادة يقال ولا يقرأ من قبل القارئ عكس الرواية التي يتلقاها القارئ بصفة ذاتية شخصية عن طريق قراءته لها الفردية مما يجعلها حتى لو تفوقت في المبيعات مقتصرة على الفئة المثقفة والمهتمة بالرواية.

يوسف شنيتي كاتب إعلامي- الجزائر
إنه عصر الرواية التي ترصد النهايات

نحن نستحضر اليوم كافة أشكال النهايات، لأن العالم يتجه حثيثا نحو حتفه.يتجه الإنسان نحو نهاية إنسانيته من خلال إنهاء كافة القيم التي أقام عليها وجوده منذ عصور وزخرفها بدءا من عصر الحداثة والتنوير.
ظلت تسعفه السماء لأجل هذه القيم و ولتوطيد المعنى بوجوده ولوجوده، وهاهو اليوم بعدما قطع الصلة بمنطق السماء وبمنطق العقل تقدم رويدا رويدا نحو الغلو والإقصاء والعنف بتعابير دينية وقومية عنصرية تبيد الآخر وترفض التعايش معه.
أجل، هو عصر النهايات/ نهاية التاريخ..نهاية الإيديولوجيات..نهاية الوطنية..نهاية الدولة الأمة، الدولة الوطنية..نهاية المثقف، نهاية الشعر وهلمجرا.
إلغاء الوعي من أجل الشر و القيم الزائفة إلا الرواية، ذاك عصرها لأنها الشاهد الأخير على هذه النهايات السوداء والرمادية.
سيقف القلم حتى ولو كان لوحة رقمية أو هاتفا ذكيا أو حاسوبا محمولا ليدحض كل هذا الدجل وكل هذه الشرور التي ينتجها خطاب القوة والهيمنة ويرصد بتعبيرات أسلوبية مناسبة سرديا وبصدق فني الفصل الأخير لطي سجل الحياة.
لن يكون هناك رسالة من السماء..سيكون الخراب متراكما كما الشعور بالألم والخيبة..وسيقف النص الروائي وحيد في مواجهة اللحظات الأخيرة لاغتيال زهرة اللوتس وبقايا الرمق الأخير لبربرة الإنسان باسم العرق وباسم الرب وباسم المكان.
ذاك هو عصر الرواية الذي بدأ منذ أكثر من عقد من الزمن الذي نعده بويلاتنا الدامية.
سيكون الروائي هو النبي الأخير أيضا في الفصل الأخير..وهو بهذا المعنى سيكتشف أن أية جائزة أو تتويج أو شهرة كما هي اليوم إنما هي ولاية تشبه ولاية الفقيه عند الشيعة مع القياس بفارق طبعا.
سترجو الحياة الإنسانية خلاصا في القيمة والمعنى ولن تلجأ إلا إلى الرواية حيث المتن يحتمل القيم الشعورية والفكرية والتعبيرية المناسبة مادام الروائي يقدم نصا إنسانيا ينتصر للوجدان وللحس المشترك للتعايش والتسامح.
هل أدرك الروائيون اليوم هذا المغزى والسياق الذي لا يدرك إلا به فيتجاوزن الصورة النمطية التي يمنحها التتويج حين الانتشار و الذيوع؟
ربما لامس ذلك ولو بقدر بعض من الروائيين العرب أمثال تاج السر،الخوري، واسيني،نصر الله، على سبيل الذكر لا الحصر..
لم يبق أمام هذه النهايات المفجعة إلا الرواية التي تهيب بالإنسان وتنوح على فقده.

وحيدة ألمي كاتبة-تونس
نعيش زمن الفرقعات و"البهْبرة" الروائية

حالة من الاستفاقة تشهدها الرواية في تونس. من خلال غزارة المنشورات في سنوات ما بعد الثورة، وإقدام الكثير من الأقلام على كتابتها. فضلا عن ظهور مجموعات شابة هدفها الأساسي الاعتناء بكل أشكال ثقافة المطالعة والتحفيز على الإبداع الأدبي مثل "عشّاق الكتب" و" قرّاء بلا حدود" ،تعمل على عودة الاعتبار للكتاب في ظل اكتساح عجيب لوسائل التواصل الرقمي التي حولت العالم إلى قرية الكترونية وأخرجت الكتاب نفسه من هويته الورقية الأصلية.
هذا الشّغف المفاجئ بإصدارها يجعلنا نتساءل: هل نعيش زمن الرّواية فعلا بعدما استحوذ الشّعر الحديث على العرش لأكثر من مائتي سنة دون اعتبار مملكة الشعر القديم الضاربة في العراقة؟. هل أن هذه الصحوة هي لأجل الرواية نفسها ، لأجل الحصول على جوائز، أم لأجل الكتابة "كبريستيج " و رَفاه اجتماعي بالنسبة لبعض المثقفين وحتى المتطفلين ؟. ومن هذا المنطلق يمكن أن نحدد ما إذا كنا فعلا في زمن الرواية أم خارجها.
المتأمل اليوم في صدى ما ينشر من روايات بالساحة الثقافية التونسية يلاحظ أن الجعجعة أكثر من الطّحين. وأن الإصدارات في هذا النمط الإبداعي تواجه أكثر من إشكال على مستوى النشر، فإما النشر على النفقة الخاصة ومواجهة صعوبة التوزيع، أو القبول بابتزاز الناشر مقابل إيصال الرواية إلى نقاط البيع. كما أن الكاتب يواجه معضلة الترويج، فالمتلقّي وهو القارئ لا يُقبل على شراء الأعمال الصادرة فتبقى حكرا على بعض الناقدين أو المهتمين أو المثقفين، حتى هؤلاء أنفسهم ينتظرونها هدية من الكاتب، أو يصرفون إلى الأدب العالمي بعد بروز موجة جديدة لترجمة الأعمال الأدبية الشهيرة. وبالتالي تبقى الرواية في رفوف المكتبات، أو متراكمة لدى كاتبها يبحث بطرقه الخاصة عن تظاهرات ثقافية لتوزيعها، وفي أقصى الحالات تقتني منها إدارة الآداب بوزارة الثقافة التونسية بين 50 و100 نسخة فقط مرتبطة بآجال محددة.
إذن تُمنى التجارب الجادة في أغلب الحالات بالإحباط وتعتزل بعض الأقلام الواعدة الكتابة وتنسحب وهو ما يفسّر غياب تجربة روائية تونسية كاملة رغم مرور أكثر من ستين سنة على صدور أول رواية تونسية في كتاب. و في المقابل ينجح البعض الآخر في الانتشار والتسويق لأعمالهم الروائية عن طريق العلاقات بالداخل والخارج، والتفاف بعض الأقلام حول بعضها البعض لاحتكار الساحة والسيطرة عليها و"التغوّل" ، مما يقصي مشاريع التجارب الجادة ويصيبها بالخيبة فترفع المنديل الأبيض وتستسلم لليأس.
مثل هذا الاحتكار خلق اللهفة على الجوائز التونسية والعربية وحتى الأجنبية. وأصبحت همم أغلب الأقلام معلّقة بالفوز بالملايين في جوائز أثارت جدلا كبيرا حولها تتدخل فيها العلاقات والمحاباة وتنتصر للأسماء الرنّانة وليس للنص الإبداعي نفسه، باستثناء بعض الجوائز التي فرضت نفسها بمصداقية لجانها وحياد أعضائها وانتصارهم للأعمال القيّمة والمميّزة.
يجرّنا الحديث إلى تحوّل الكتابة إلى وجاهة اجتماعية، و"بريستيج"، ففي الشعر كما في الرّواية أصبح التطاول سهلا من طرف أقلام لا تراعي مقوّمات الكتابة الروائية. فبعض المشرفين على الفضاءات الثقافية أو الموظفين وغيرهم يدّعون القدرة ويتجرؤون عليها.
من هنا نثير مسألة الهواية كما الاحتراف في الرواية، فهل يمكن الحديث اليوم عن الرواية الهاوية والرواية المحترفة في ظل اختلاط الحابل بالنابل؟. ببساطة يُحسم الأمر بأن الرواية هي الرواية، وهي الكل الذي لا يتجزّأ. فإما أن تكون مبنية على أسس وقواعد ثابتة فيها من التمكّن والقدرة على البناء السردي، وإما أن تكون مجرّد محاولة وتحْبير لأحداث تكون في النهاية بمثابة المواليد المشوّهة.
إذن، رغم الوعي بأهمية المساعي لإعادة الاعتبار للرواية وغزارة الإنتاج، إلا أن ذلك لا يؤكد أننا نعيش زمن الرواية على الأقل - في تونس - في ظل غياب ما يسمى بالقارئ الملائم، هذا القارئ النّهم الذي يتردد على المكتبات العمومية نفس تردده على المقاهي والملاعب، المشجّع للإصدارات التونسية، والمتلقي الذي يخصص من ميزانيته العائلية ثمن الكتاب. إذن في غياب القارئ الملائم والمجتمع الملائم لا يمكن الحديث إلا عن موجة موضة عابرة ستُبقي على الأعمال الحقيقية وتجرف معها تلك الفرقعات و"البَهْبرة" الروائية نحو النسيان.

رأيك في الموضوع

التعليقات ملك لصاحبها ولا تخص الجريدة